حور عين
لفظة من مقطعين وكل منهما يكمِّل الآخر ويظهر معناه
ولكن هذه اللفظة تأتي بمقطع واحد فقط ( حور ) في سورة الرحمن
يقول الحق سبحانه فيها
(وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَـ
ـانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَـ
ـانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *
فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَـ
ـانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *
فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *
فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ )
إن المتتبع لطريقة سرد الآيات ويتدبّر فيها سيلحظ التحوّل المفاجئ لصيغة المثنى والتي حافظت عليها آيات سورة الرحمن إلى جمع مونث وقد لونت الشاهد باللون الأحمر
إن تسلسل الآيات وفق ما يقتضيه السرد كان لزاماً أن يكون على النحو التالي وسأحذف آية (تكذبان) حتى تظهر بشكل جليّ :
(وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * مُدْهَامَّتَانِ *
فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ *
فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ *
فِيهِمَا خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ )
فعلى من تعود لفظت ( فيهن ) ولماذا تغيّر السرد من مثنى إلى جمع ؟؟؟؟
إن أقرب إسم يحمل التأنيث يمكن أن تعود إليه ( فيهن ) موجود في الآية التي تسبقها أي أن الحور من ضمن الفواكة الموصوفة بالأعطيات الخيّرة والحسنة (خيرات حسان ) لجمالها وروعتها ثم تأتي لفظة الخيام لتؤكد على أن هذه الخيرات موجودة في داخل أماكن كالخيام وهنا نجد أن إتصال كلمة حور بكلمة عين تعطي مفهوم يدل على أن تلك الفاكهة المميّزة تروى من العينان النضاختان والموجودتان في داخل تلك الخيام فإقترن تبعاً لذلك إسم الفاكهة بالعَين التي تروى منها
ما الذي يجعلني أتخيّل الآيات بهذه الطريقة ؟؟
إن الحق سبحانه عندما تحدث عن الجنّة ذكر فيها أنهاراً وليس عيوناً ، وذِكر العيون في سورة الرحمان هوَ
ذكر تخصيص وليس قول عام فجنّة الفاكهة التي أسهبت سورة الرحمن في ذكرها هي (جنّة داخل الجنّة) ولهذا يقول الحق جنتان وهي آية كنت أقف عندها متأملاً وكنت أسأل نفسي كيف يقول جنتان وفي آيات القرآن كان يتحدث دائماً عن جنّة واحدة حتى أدركت المعنى بالقليل من إعمال العقل والتدبّر
أضرب هنا مثالاً يوضح مفهوم الإنتقال من المثنى إلى الجمع وعليك أن تقول ما الذي فهمته من جملتي :
في الحي الذي أسكن فيه مبنيان ،
فيهما للألعاب صالتان ،
وفيهما مكتبتان ،
فيهما كتب ومراجع وأفلام ،
فيهن أفضل أنواع المعارف لبني الإنسان

قالوا لنا أن الطمث هو إفتضاض العذرية لكي يثبتوا نظرتهم الجنسيّة لجنتهم الإباحيّة القابعة في رؤوسهم وأنا أتحدى أن يأتيني شخص بقول عربي يذكر الطمث من ضمن ألفاظ الجماع فهل قال أحدكم " سوف أطمث زوجتى " أو نحو ذلك ، إن المعاجم تبنت الطمث على أنه أحد مفردات الجماع بناءاً على التفسير الذي ساقه المفسرون لآية الحور وإنتشر المعنى على هذا النحو في تلك الفترة ويبدو أن العرب يعلمون نكارة هذا الأمر فبقي الطمث لفظاً يدل على الدورة الشهرية للمرأة في وقتنا الحاضر ولا نجد معناه على أنه جماع سوى في كتب المفسرين حصراً ليدّل على مفاهيم أضافوها لتأكيد ما يريدون
فما معنى لم يطمثهنّ ؟؟؟
بالعودة إلى الآية نجد أنها تقول ( لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ )
وفي تصوري أن قول الحق ( لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ ) كانت تفي بالغرض فما الدعي لقول ( قبلهم ) أليست الحوريات نساء سيخلقنّ للرجال فهل كان الله يحافظ عليهنّ من إعتداءات ربما قد تحصل من بعض الجن أو الإنس الذين سيدخلون الجنّة خلسة فيقوم الله هنا بتطمين النزلاء أن لا تخافوا فما إفتضهنّ أحد قبلكم ( في ايّ ميزان من موازين العقل يمكننا أن نتقبّل هذا التفسير ) ولكن إن كان المعنى عن فاكهة فهي تدل على أنها في أشجارها لم يمسسها أحد فهي ليست خلقاً يخلقه الله
بل هي َ أحد مكونات الجنّة الرئيسية الموجودة بشكل طبيعي
نقول :ما طَمَثَ هذا البعير حَبْل أي مَا مَسَّه عِقال ، وما طمث هذه الجنّة أحد أي لم يدخلها أحد من قبل
حسناً تحدثنا عن الحور وقلنا أنها جائت بمفردها في سورة الرحمان ولكن سنجد في آيات القرآن كلمة عين بمفردها أيضاً
يقول الحق في سورة الصافات :
( وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ . كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ )
العين هي أداة البصر وتطلق أيضاً على نبع الماء الجاري
قالوا لنا بأن قاصرات الطرف هي الحورية التي تنظر إلى زوجها دون غيره
بينما في تراكيب اللغة لا نجد الجملة على هذه الشاكلة فإن أردت أن تمنع شخصاً عن النظر إلى شيء ما تقول له ( غض طرفك ) وليس ( إقصر طرفك )
كقول الشاعر
فغض الطرف إنك من نمير ...... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وقول الحق سبحانه
(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)
(وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)
(وَاقْصِدْ فِى مَشْيِكَ واغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ)
سميّت الأجفان أطرافاً لأنها من جزئين متماثلين يتلامسا ، فأطراف الإنسان هيَ يديه ورجليه وجفنيه وطرف الشي جانبه وجوانب العين أجفانها
والقصر ضد الطول وإن سبقها حرف جرّ تأخذ عدة معانٍ كالآتي :
قصر
عن الأمر أي عجز عنه وتهاون
وقصر
في الأمر أي قلله كأن يقول شخص " لقد قصرت في الأعطيّة " ونحن سكان الجزيرة نقول للشخص " والله ما قصرت في حقي " بمعنى أنك أكثرت يا صديقي
وقصر
على الأمر أي عكف عليه كأن تقول إقتصرت على أكل الخبز الأسمر
ولكن قصر الشيء دون وجود حرف جرّ لا يأتي إلى بمعنى واحد يدور في فلك نقيض الطول
وعلى هذا تكون قاصرات الطرف هي وصف لجذع وأغصان تلك الشجرة بأنها قصيرة الأطراف وفي متناول اليد لقطفها
نعود إلى سورة الرحمان ونقرأ فيها بعد أن نحذف آية ( تكذبان )
( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ )
نجد نفس الطريقة في الإنتقال بين المثنى والجمع ونجد أن قاصرات الطرف جاءت بعد ذكر الفاكهة الدانيّة لوصف أغصانها القصيرة والتي تتدلّى منها الثمار
المثير في الأمر هوَ في الآية التاليّة والتي تدعم ما قلنا عندما يصف الله ألوان تلك الثمار بقوله (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ )
فالياقوت مميّز بلونه الأحمر القاني والمرجان يتميّز بألوانه الزاهيّة التي تسّر الناظرين فهل سيخلق الله حوريّات بألوان حمراء وزرقاء وأخرى برتقالي على بنفسجي كما قال المفسرون ... أترك الحكم لكم